الشيخ محمد هادي معرفة

13

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ومنها : إشارات عابرة جاءت في عرض الكلام ، بحيث يحتاج فهمها إلى درس عادات ومراجعة تاريخ ، كالنسيء في سورة التوبة : 37 . والنهي عن إتيان البيوت من ظهورها في سورة البقرة : 189 . أو تعابير إجمالية يحتاج الوقوف على تفاصيلها إلى مراجعة السنّة وأقوال السلف ، كقوله تعالى : « أَقِيمُوا الصَّلاةَ » و « آتُوا الزَّكاةَ » و « لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » وأمثال ذلك . ومنها : تعابير عامّة صالحة لمعاني لا يعرف المقصود منها إلّا بمراجعة ذوي الاختصاص ، كالدابّة في سورة النمل : « أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ » ، « 1 » والبرهان في سورة يوسف : « لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » ، « 2 » والكوثر في « إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ » . والروح في « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ » « 3 » وأمثال ذلك . ومنها : استعارات بعيدة الأغوار ، يحتاج البلوغ إليها إلى سبر وتعمّق كثير ، كقوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها » « 4 » وقوله : « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ » « 5 » ونحو ذلك . ومن ثمّ قال الراغب : التفسير إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ ، نحو البحيرة والسائبة والوصيلة ، أو في وجيز كلام مبيّن بشرح ، نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزّكاة ، وإمّا في كلام متضمّن لقصّة لا يمكن تصويره إلّا بمعرفتها ، كقوله تعالى : « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ » « 6 » وقوله : « لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها » . « 7 » هذه نماذج من عوامل الإبهام المحوجة إلى تفسير كاشف ، وقد تبيّن أنّها تختلف تماما عن عوامل التشابه المستدعية لتأويل مقبول . وعليه فلا يشتبه مورد أحدهما بالآخر ، وإن كانا يشتركان في خفاء المراد بالنظر إلى ذات اللفظ .

--> ( 1 ) - النمل 82 : 27 . ( 2 ) - يوسف 24 : 12 . ( 3 ) - النبأ 38 : 78 . ( 4 ) - الرعد 41 : 13 . ( 5 ) - يس 65 : 36 . ( 6 ) - التوبة 37 : 9 . ( 7 ) - البقرة 189 : 2 . بنقل الإتقال ، ج 2 ، ص 173 ، ط 3 .